من أسباب العداوة و البغضاء
بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على نبينا محمد المصطفى اللامين و آله و أصحابه ومن تبعهم الى يوم الدين
الحمد لله الذي أنعم على عباده المؤمنين بالهداية والإعتصام بحبله المتين ،و جمعهم على الحق ووقاهم شرّ التّشاحن و ذلَّ التَّخادل و منَّ عليهم بالاخاء و الالفة و جنَّبهم الاختلاف و الفرقة .
فإنّه لا يستقيم للناس حال فى دنياهم ،و مآلهم الاَّ بالإتفاق و الإئتلاف ،و اجتناب التَّنابذ و الإختلاف ،و ترك التشاحن و التباغض ،لانّض عواقبها و خيمة و نتائجها اليمة ،و هذا يمنع نزول الخير ، و يرفع البركة ،و يرث الضغينة ،و القطيعة بين المسلمين ،و يؤدي الى التناحر و التَّقاتل.
و انَّ للتشاحن و التّباغض أسباباً كثيرة تعكّر صفاء القلوب و تملأها حقداً و غلاً، ز من هذه الاسباب:

فعن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
"..ألاَ إنَّ الشَّيطان قَدْ أَيسَ-اي يئس- أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّون َ فى جَزِيرَةِ العَرَبِ ، و لَكِنْ فى التَّحريشِ-الاغراء على الشيئ- بَيْنَهُمْ" رواه مسلم(212)
هذا الحديث ذكره النبي صلى الله عليه و سلم فى حجة الوداع ،و قوله "المصلُّون" اشارة الى ات اهل الصلاة همم الذين لا تكون فيهم عبادة الشيطان ،فان الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر ،و اعظم المنكر الذي تنهى عنه الصلاة هو :الشرك بالله-جل و علا- فيكون الشيطان بذلك يئس ان يعبده من اقام الصلاة على حقيقتها.
و" التَّحريشِ" قد فسّر بعدة معان متقاربة؛فقيل: الحمل على الفتن و الحروب، و قيل :الاغراء و تغيير القلوب و التقاطع:و قيل :الافساد...

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"عليكم بسنة و سنة الخلفاء الذين يؤتون من بعدي عضوا عليها بالنواجذ"
أن صاحب البدعة ينتصر لبدعته، و هي سبب تفرق الامة احزابا و شيعا ،قال ابو العالية رحمه الله:"عليكم بسنة نبيكم صلى الله عليه و سلم،و ما ان عليه اصحابه رضي الله عنهم،و اياكم و هذه الاهواء التى تلتقى بين الناس العداوة و البغضاء."(الابانة الكبرى1/338)
قال صاحب "الابانة":"اعاذنا الله و اياكم من الآراء المخترعة،و الاهواء المتبعة،و المذاهب المبتدعة ،فان اهلها خرجوا عن اجتماع الى شتات،و عن نظام الى تفرق ،و عن انس الى وحشة ،و عن ائتلاف الى اختلاف ،و عن محبة الى بغضة،و عن نصيحة و موالاة الى غش و معاداة،و عصمنا و اياكم من الانتماء الى كل اسم خالف الاسلام و السنة."(الابانة الكبرى1/388)

و هو مدخل عظيم من مداخل الشيطان، و بابٌ واسع يصطاد الشيطان فرائسه من خلاله؛ لان الغضب يُخرج الإنسان من وعيه، فيفعل ما لا يحمد عقباه، ثم يندم على ذلك.
قال ابن رجب رحمه الله:" مدح الله من يغفر عند غضبه، فقال:" و إذا ما غضبوا هم يغفرون "الشورى 38؛ و عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى:"و لا تستوي الحسنة و لا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه و لي حميم".فصلت34،أمر الله المؤمنين بالصبر ،و الحلم عند الجهل و العفو عند الإساءة ،فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان،و خضع لهم عدوّهم كأنه وليٌّ حميم.(رواه البخاري3108 )

و هو داء عظيم من أدواء النفس، لا يشفى سقيمه و لا يرقى سليمه مع ما فيه من إفساد الدين و أضرار البدن ؛ و الحسد عقيد الكفر ،و حليف الباطل ،و ضد الحق ،منه تتولد العداوة ،و هو سبب كل قطيعة ،و مفرق كل جماعة ،و قاطعة كل رحم من الأقرباء، و محدث التفرق بين القرناء ،و ملحق الشر بين الحلفاء.و ليس شيء أعظم ضررا من الحسد ،قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" دَبَّ إِلَيْكُم دَاءُ الأُمَمِ مِنْ قَبْلِكُمْ: الحَسَدْ و َ البَغْضَاءُ". (رواه الترميذي2510)

قال الله تعالى:" فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوى أَن تَعْدِلُواْ".النساء135
إن أصل العداوة و الشر و الحسد الواقع بين الناس؛من إتباع الهوى ،فمن خالف هواه أراح قلبه و بدنه و جوارحه؛فاستراح و أراح؛فانظر ماذا يتولد عن التباغض من الشر و العداوة و ترك الحقوق و غيرها ،و إن إتباع الهوى مظنَّة الظلم و البغي.
قال ابن رجب رحمه الله:"لمـا كثر اختلاف النَّاس في مسائل الدِّين و كثر تفرقهم؛كثر بسبب ذلك تباغضهم و تلاعنهم،و كل منهم يظهر انه يبغض لله ،و قد يكون في نفس الأمر معذورا،و قد لا يكون معذورا،بل لا يكون متَّبعا لهواه ،مقصِّرا في البحث عمَّا يبغض عليه" (جامع العلوم و الحكم330)

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ"( قَتَّاتٌ: هو النَّمَّام)/رواه البخاري.5709
إن النميمة مراض فتّاك، يفتك تآلف المسلمين فيما بينهم، فكم مزقت من محبة، و كم فرقت من قرابة، و كم أوقدت من فتنة؛ فأوغرت القلوب و غيرت الصدور.
فاحذر –أخي المسلم-من النميمة فإنها من أمراض النفوس ،و هي داء خبيث يجري على الألسن:فيهدم الأسر،ويفرق الأحبة و يقطع الأرحام.

7) المراء و الجدال و الخصام:
أن كثرة المراء و الجدال مدعاة للخصومة،و مجلبة للبغضاء و الضغينة،و الجدال يقسي القلوب،و هو سبب للقطيعة ،و المسلم إذا كان كثير المجادلة كان مذموما عند الناس ؛لذا قال بعض السلف:"إذا رأيت الرّجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمّت خسارته".
و قال الإمام مالك رحمه الله:"المراء يقسى القلوب و يورث الضغائن".
و قال بعضهم:" ما رأيت شيئا أذهب للدين و لا انقص للمروءة ،و لا أضيع للذة،و لا أشغل للقلب من الخصومة". (الأذكار للنووي 296)

8) البغي في المسائل التّي يسوغ الخلاف فيها:
إن السلف رضي الله عنهم لم يدخل قلوبهم شيء من الغّل و البغض لأحد من إخوانهم بمجرد مخالفته لهم،فهذا الإمام احمد كان يذكر إسحاق ابن راهوية فيمدحه و يثنى عليه،و يقول:"لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق ،و إن كان يخالفنا في أشياء ،فان الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا."(سير أعلام النبلاء(11/371)).

9) التَّعصُب لغير الحقّْ:
يقول شيخ الإسلام:"ومن نصب شخصاً كائنا من كان؛ فوالى و عادى على موافقته في القول و الفعل، فهو "مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا.."(الزمر32)،و ليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه و لا يناجز عليها ،بل لأجل أنها ممَّا أمر الله به ورسوله أو اخبر الله به ورسوله؛لكون ذلك طاعة لله و رسوله"(مجموع الفتاوى8/20-9).

10) ظنُّ السُّوء بالمسلم:
يقول النبيُ صلى الله عليه و سلم:"إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ !فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَب الحَدِيثِ"(متفق عليه).
و لذا فعلى المسلم أن يحسن الظن بإخوانه كما يحب هو أن يكون ظنُهم به حسنا؛ و الظُنون السيئة لا تصدر إلا من قلوب لا تخلو من السيئات؛ فتطلب لغيرها الثغرات.نسأل الله العافية.

11) التنافس على الدنيا و الرياسة:
حبُ الرياسة و طلب الجاه لنفسه من غير توصُّل إلى مقصود ، و من علامة ذلك كراهة الرَّجل لغيره أن يتصدَّر في العلم و الخير و السُّنّة ، و انطلاق الألسنة في الثَّناء عليه، و في هذا مشابهة لليهود الذين ذمّهم الله عز وجل بقوله:" أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَتَاهُمُ اللهُ من فَضلِهِ".(النساء54)

12) اختلاف الصفوف في الصلاة:
عن النعمام بن بشير رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:"لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بينَ وُجُوهِكُم"(البخاري و مسلم).وفى رواية "بين قُلُبِكُم".(أبو داود662).
قال النَّووي رحمه الله :" معناه يوقع بينكم العداوة و البغضاء و اختلاف القلوب،كما يقال:تغير وجه فلان علي، أي:ظهر لي من وجهه كراهة لي،و تغير قلبه علي؛لان مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم ،و اختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن."(شرح النووي على مسلم).

13) النَّجوى بين المسلمين:
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم:" لاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ".(رواه البخاري).؛-أي :إذا كانوا ثلاثة لا يتسامع اثنان من دون الثَّالث-من أجل أنَّ ذلك يحزنه ، و مثله إذا كانوا ثلاثة؛ فتحدُّ اثنان بلغة لا يعرفها الثالث ، لانَّ ذلك يحزنه ،و هذا من عمل الشيطان،قال الله تعالى:"إنَّمًا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطانِ لٍيَحْزُنَ الَّذينَ ءَامَنُوا"(المجادلة10)

إن لكثرة المزاح آثار سيئة ؛قال ابن عبد البر رحمه الله :" و قد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح ؛لما فيه من ذميم العاقبة ، و من التَّوصُّل إلى الأعراض ،و استجلاب الضغائن ،و إفساد الإخاء"(بهجة المجالس لابن عبد البر3/569).
وان الأمر إذا تجاوز عن حده انقلب إلى ضده ،قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"إياكم و المزاح؛فانه يورث الضغينة و يجر إلى القبيح"،و قيل" لكل شيء بذوره و بذور العداوة المزاح"،قال الله تعالى:"وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا(53)الإسراء 53)

أهل النفاق الذين يندسون في صفوف المؤمنين لإيقاع العداوة و البغضاء ؛لأنهم يحزنهم إن ترجع هذه الأمة إلى دينها و تجتمع على مذهب سلفها الصالح ،"فالأمة الإسلامية امة واحدة،...فيجب إن يكون مظهرها واحد لا يختلف ؛لان الأمة الإسلامية لها أعداء يعلنون العداوة صراحة،و هم الكفار الصرحاء مثل اليهود و النصارى و المجوس و الوثنيين و الشيوعيين و غيرهم،و لها أعداء يخفون عداوتهم مثل المنافقين ،وما أكثر المنافقين في زماننا ...قال تعالى : "لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ"(47) التوبة
اللهم سلم صدورنا و قلوبنا من الغل و الحسد و اجعلنا من الذين قلت فيهم:" وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)الحشر10
و صلى اللهم على نبينا محمد و اله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.
بقلم:نجيب سلطاني/من مجلة الإصلاح ص56